الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

142

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه صلى اللّه عليه وسلم من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك وفيه أربعة أنواع : النوع الأول في عيشه صلى اللّه عليه وسلم في المأكل والمشرب اعلم أن تناول الطعام أصل كبير ، يحتاج إلى علوم كثيرة ، لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية ، وتعلق أثره بالقلب والقالب ، وبه قوام البدن بإجراء سنة اللّه تعالى بذلك ، والقالب مركب القلب ، وبهما عمارة الدنيا والآخرة ، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوان يستعان به على عمارة الدنيا ، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة ، وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين . قال الغزالي : ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم والعمل ، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات ، والتناول منها بقدر الحاجات ، على تكرار الأوقات . فمن هذا الوجه ، قال بعض السلف الصالحين : إن الأكل من الدين ، وعليه نبه رب العالمين بقوله ، وهو أصدق القائلين : كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً « 1 » ، فمن تناول الأكل ليستعين به على العلم والعمل ، ويقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه سدى يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى ، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ، ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه ، وإنما

--> ( 1 ) سورة المؤمنون : 51 .